, , , , , , , ,
يونيو 03, 2020

من طلب العلا استثمر وقته بفعالية

 

 

بضعة ساعات من التركيز الجاد والممنهج على الأعمال الرئيسية المطلوبة من الموظف ستكون أجدى من عشر ساعات عمل متواصلة على أمور متفاوتة الأهمية.


حسان شعبان

“من طلب العلا سهر الليالي” ترعرعنا جميعاً على هذه المقولة، فمذ كنا صغاراً أخبرونا بأن النجاح يستلزم جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً، فكنا حينما ننتهي من درس مقرراتنا خلال وقت قصير نشعر بعدم الثقة وبأننا لم نتحضّر جيداً.

وعند كل امتحان يعترينا الخوف لمجرد معرفة أن بعض زملائنا قد درسوا أكثر منا. كبرنا وترسخ هذا المفهوم أكثر فأكثر في وعينا ولاوعينا فانتقل معنا من المدرسة إلى الجامعة ومن ثم إلى العمل ولربما بدأنا ننقله اليوم إلى أولادنا.

اقرأ أيضاً : كيف يمكن أن يساعدك الذكاء العاطفي على تحقيق أهدافك هذا العام؟

يروي خبير الاقتصاد السلوكي دان اريلي قصة صانع ومصلح أقفال ماهر، كان باستطاعته إصلاح الأقفال المستعصية بوقت قصير نظراً لمهارته وتمرسه، لكن في المقابل كان زبائنه يتذمرون حين يحين وقت دفع مستحقاته، فقد كانوا يعتبرون أن تصليحه للأقفال لم يتطلب سوى دقائق دون بذل جهد جسدي ملموس، على الرغم من أن فاتورته كانت أقل من فواتير منافسيه.

يلخص دان إلى أن المستهلكين لا يقيّمون السلع والخدمات بقدر منفعتهم منها ومعالجتها لمشكلتهم، ولكن يضيفون عامل الجهد الذي مورس في المقابل ليشعروا بالإنصاف.

كما أظهرت دراسة أجرتها جامعة هارفرد في العام 2011 أنّ الأشخاص الذين يستخدمون المواقع الإلكترونية في حجز تذاكر سفرهم يفضلون تلك التي تتطلب وقتاً أكثر في البحث شريطة اظهار عبارات تشير بأن البحث جاري مما يترك لديهم انطباع بأنّ الموقع مارس جهداً أكبر في البحث في قواعد معلوماته لإعطائهم نتائج مُثلى. وهذا انطباع خاطئ، فالأمر يتعلق بالبرمجيات والخوارزميات التي تُسرّع عملية البحث في قواعد المعلومات وليست بممارسة الحاسوب جهداً اضافياً.

اقرأ أيضاً : قاعدة الخمس ثواني

لا يقتصر مفهوم الجهد المُلتبس على سلوكيات البيع والشراء إنما يتجلى في كثيرٍ من الأحيان في العمل المؤسساتي، فنجد الإدارات تركز على ساعات عمل موظفيها أكثر من تركيزها على انتاجياتهم. فقد يُكافأ موظف ما لبقائه لساعاتٍ طويلة في العمل وتقيّده بالأنظمة العامة بالرغم من انتاجيته المتواضعة وقد يُعاقب موظف كثير الانتاجية كماً ونوعاً لعدم تقيّده بدوامات الحضور والانصراف. إذ ترى المؤسسة أنّ الموظف الأول بذل كثيراً من الجهد والوقت في العمل بينما الموظف الثاني لم يُعطِ الوقت الكافي لمؤسسته تماماً كصانع الأقفال الماهر الذي تحدثنا عنه آنفاً.

هذه المعايير المغلوطة لا تمارسها الإدارة وحدها، فالموظفون بدورهم يشعرون بالرضا لبقائهم في العمل لساعات طويلة وإجابتهم على الرسائل البريدية والاتصالات التي يتلقونها خارج أوقات العمل بمعزل عن كون هذه الساعات الإضافية والرسائل التي تلقّوها غير عاجلة وكان بالإمكان تأجيلها أو على الأقل استبدالها بأمور أكثر فعالية. ولربما قد يشعر الموظف الماهر الذي يُجيد القيام بالمطلوب بسرعة وينجز أعماله بحسب الأهمية بعذاب الضمير لأنه لم يبق لساعات طويلة في عمله أو لأنه لم يُجب على اتصالات العمل خارج وقت دوامه.

في كتاب “الطقوس اليومية: كيف يعمل الرسامون” يقول الكاتب “مايسون كوري” إنه في روتين عمل الرسامين والكُتّاب لا يستغرقون أكثر من أربع إلى خمس ساعات يومياً في انتاجهم الرئيسي الإبداعي. بضعة ساعات من التركيز الجاد والممنهج على الأعمال الرئيسية المطلوبة من الموظف ستكون أجدى من عشر ساعات عمل متواصلة على أمور متفاوتة الأهمية.

اقرأ أيضاً : 7 خطوات لتغيير نفسك إلى من تريد أن تكون

لا قيمة للجهد إذا لم يرتبط بالفعالية، فقد آن الآوان لفك الترابط المزعوم بين النجاح والجهد واستبداله بمفهوم الفعالية. فمن حقّ مُصلّح الأقفال السريع أن يتقاضى بدل أتعاب موازِ لمنافسه نظير فعاليته. ومن حق الموظف أن يُكافأ على إنتاجيته وفعاليته وليس على تقيّده بالدوام وبقائه ساعات إضافية لإنجاز ما توجب عليه إنجازه خلال ساعات دوامه.

لقد أصبح من الضروري التحوّل إدارياً نحو الإدارة بالأهداف والنتائج وليس بالمعايير التقليدية، ولربما قد حان الوقت لاستبدال مقولة من طلب العلا سهر الليالي بمن طلب العلا استثمر وقته بفعالية.

مجلة إدارتي
نكتب ونشجع الآخرين على الكتابة، صفحات موقعنا ترحب بكل كاتب جريء، يتقدم خطوة للأمام ويكتب. الكتابة بحدّ ذاتها فعل قوي، لأنه يمكن للكلمات أن تُحدث التغيير، تغيير النفس والعالم أجمع، ولهذا يجب أن نكتب. edaratymag@gmail.com

اقرأ ايضأ

سيطر على حياتك
مجرد رأي , مقالات | أكتوبر 02, 2020

سيطر على حياتك

  "ليس هناك أسهل من الكلام، لكن الفعل ليس بالأمر اليسير، فأفعالك تُحدّد وجهتك في هذه الحياة، لذا حوّل رؤاك ومفاهيمك ووعيك إلى أفعال هادفة...
الدرس الثمين الذي تعلمته عندما كنت مديراً تنفيذاً
مقالات | مايو 03, 2020

الدرس الثمين الذي تعلمته عندما كنت مديراً تنفيذاً

    عدم القدرة على أداء مهام العمل المطلوبة منك يُعدّ بحدّ ذاته وسيلة لتدمير فريق العمل وتشتيت جهوده، كما أنه يؤدي إلى تردي الأوضاع...
شجّع الآخرين على إبداء آرائهم
مقالات | مايو 01, 2020

شجّع الآخرين على إبداء آرائهم

  لا تخف من اتخاذ قرار ترك مجال الأعمال في يوم من الأيام، فهذا ليس فشلاً وإنما يعدُّ نجاحاً في اتخاذ هذا القرار الصائب، ووجّه...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 

 

شعار مجلة إدارتي

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

مجلة إدارتي will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.