, , , , ,
سبتمبر 21, 2019

السر في الأسئلة!

على كل فرد منا أن يقيس ما يتحمله من مال ووقت ومجهود وغيرهم في مقابل ما سيحصل عليه وأعتقد أننا كي نحيا حياة أفضل لنا ولمن حولنا تستحق أن نبذل لها أقصى ما نستطيع فلن نجني النجاح دون الكد والعمل ولن نصل للقمم دون الرغبة والأمل.

ياسر بهاء الدين - رئيس التحرير
ياسر بهاء الدين
خبير تميز مؤسسي للدوائر الحكومية
dr.yasser.bahaa@hotmail.com

منذ فترة كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء واستغرقت المكالمة في حدود ساعة وكان معظم الحديث يدور حول ما يشعر به من إحباط نتيجة ظروف العمل السيئة ومنها ضغط العمل وعدم التقدير من الإدارة والكثير من المواضيع التي غالباً ما تواجه الكثير ولكن بمستويات متفاوتة. العجيب في المكالمة أنه كلما اقترحت عليه فكرة للخروج من دائرة الإحباط هذه كان دائماً ما يحاول العودة إلى نفس النقطة ألا وهي “الظروف المحيطة”، إلى أن سألته سؤالاً مباشراً “ماذا لو لم تتغير الظروف في الخمس سنوات القادمة، هل ترضى أن تتحمل هذه المدة كلها بنفس الوضع أم ترغب في التغيير؟” وهنا تغير مسار الحديث تماماً!

ما اكتشفته وتعلمته من حديثي معه كان إضافة لي مثله تماماً حيث أنني قضيت معه تلك الساعة في محاولة لتوضيح بعض الأمور –التي أعتبرها من وجهة نظري بديهية– ولكنني لم أنجح في تغيير مسار الحديث، ولكن عندما كنت مباشراً فيما يجب أن يتمحور نقاشنا حوله، كانت النتيجة مختلفة تماماً ويمكن تلخيص الدروس المستفادة من هذا النقاش فيما يلي :

في كثير من الأحيان نعتقد أن الطرف الآخر هو المخطئ ولكن قد نكون نحن المخطئين في اعتقادنا هذا.
لا يرغب الكثير في الاعتراف بالخطأ بشكل مباشر ولكن عندما نربط اعترافنا هذا بالتغيير في النتيجة، يكون النقاش أكثر إيجابية.
قد نستنفذ الكثير من الوقت في مناقشة الأعراض –التي قد تكون مُضللة بأن تتمثل في صورة مشاكل– ونترك المشكلة الأساسية بأسبابها حيث كانت الأعراض في حديثي مع صديقي هو ما يشعر به من ضغط في العمل واستياء من كل ما هو حوله ولم نتعرض للسبب الرئيسي إلا بعد ساعة من الأحاديث والأمثلة السلبية التي كانت تؤدي إلى المزيد من مشاعر الغضب والاستياء وقد كان من الممكن أن ينتهي الحديث بالكلمة المشهورة “ربنا يكون في عونك”.

عند الرغبة في التعامل بشكل إيجابي مع المواقف السلبية المشابهة، يكون السر في استخدام الأسئلة التي تعمل على إعادة توجيه دفة الحديث للوصول إلى حلول للوضع الحالي وليس البكاء على اللبن المسكوب.

لابد أن نعترف بأن الطريق الأسهل هو الشكوى والتخلي عن مسؤولية الحل، وذلك عن طريق إلقاء اللوم على الآخرين ولكن الطريق الأصعب هو الاعتراف بالمسؤولية – حتى لو جزئية – عما يحدث لنا وبالتالي الخروج من دائرة الشكوى إلى نطاق العمل والتي تتطلب الخروج من منطقة الراحة إلى مرحلة قد تتطلب مجهود وعناء وتغيير ومخاوف وأخطاء ولكنها ستنتهي إما بالتعلم مما لم ننجح فيه أو النجاح نفسه فيما كنا نسعى إليه.

بعد توجيه السؤال السابق لصديقي ساد صمته لبرهة وذلك حتى استوعب أن ما سينطبق على السنوات الخمس القادمة هو فعلاً ما حدث في مثيلاتها السابقة وأنه بالتأكيد لا يرغب في تكرار نفس نمط الحياة بعينها فكانت إجابته بكل تلقائية “أكيد لأ، لازم أتغير” وهنا بدأت شرارة الرغبة في إيجاد حلول وليس فقط اختلاق أعذار.

مما لا شك فيه أن هناك العديد ممن هم في نفس الموقف من ضغوط مختلفة في الحياة وبالتالي ليس من المنطقي التعامل مع هذه الضغوط كما هي وتقبّلها وأقصى ما نقوم به تجاهها ليس فقط الشكوى المستمرة بل والتشكيك بيقين في عدم جدوى أيّ حل حتى وإن كان هذا الحل هو الحل الوحيد أو قد تم تجربته سابقاً في أحداث مشابهة.

المقاومة الشديدة التي يعتنقها الكثير من الناس ضد القيام بأيّ خطوة إيجابية للتخلص من حالة رد الفعل والاستسلام للوضع الراهن هي ما تساعد بشكل أساسي على الاستمرار في مرور الأيام والشهور والسنوات تباعاً دون أيّ تقدم يُذكر بل والعكس تماماً من حيث صعوبة إحداث تغيير لأفكار قد ترسخت وتمّ تبنّيها لسنوات.

من الخطأ أن أدعوا إلى التغيير وسهولة تحقيقه في نفس الوقت حيث أنه بالتأكيد ليس سهلاً بل بسيطاً من حيث معرفة ما يجب فعله وما يجب تجنبه بناءاً على قصص نجاح الآخرين ممن سبقونا وممن تغلبوا على ظروفهم الأكثر مأساوية وما أكثرهم. ولكن غالباً ما نعود إلى نقطة البداية وكأن ظروفنا الحالية لم تحدث لأحد من قبل ولن تتكرر في المستقبل، فهي ظروف لا يمكن التغلب عليها ولا مثيل لها في أيّ وقت ومكان، وذلك في حدّ ذاته كافي لتدمير أيّ رغبة أو المضي قدماً نحوالتغيير.

لابد أن يعلم كل من يجد أن حياته ما هي إلا أيام متكررة لا يتغير فيها إلا “تاريخ اليوم” أن الاختيارات والأدوات والخطط موجودة ولكن فقط ما عليه إلا أن يكون على يقين بأنه لن يحدث جديد إلا إن رغب هو في ذلك وبعدها ستكون الخطوات متاحة له بشتى الطرق فهناك العديد من الكتب والدورات والمدونات والمقالات التي تأخذ بأيدي الجميع إلى حياة أفضل مما كانت عليه بالأمس وهذه المصادر تنتظر فقط من يقترب ويستكشف عالمها بشغف ورغبة حتى يرى سحرها في التأثير على قناعاته وبالتالي مستوى حياته.


وأخيراً، فقط أريد أن أؤكد أن مصادر المعرفة متاحة وبغزارة للجميع وبتكلفة تبدأ من الصفر مما هو متاح على الإنترنت إلى ما قد يبلغ بضعة آلاف من الدولارات من خلال الجلسات الاستشارية مع المتخصصين ولكن أياً ما كان المصدر الذي نرغب في الاعتماد عليه فإن ذلك سيتطلب كحد أدنى المجهود والوقت الذي سنستغرقه في كسب المعرفة ومن ثمّ الأهم وهو تطبيق تلك المعرفة. وبالتالي على كل فرد منا أن يقيس ما يتحمله من مال ووقت ومجهود وغيرهم في مقابل ما سيحصل عليه وأعتقد أننا كي نحيا حياة أفضل لنا ولمن حولنا تستحق أن نبذل لها أقصى ما نستطيع فلن نجني النجاح دون الكد والعمل ولن نصل للقمم دون الرغبة والأمل.

مجلة إدارتي
نكتب ونشجع الآخرين على الكتابة، صفحات موقعنا ترحب بكل كاتب جريء، يتقدم خطوة للأمام ويكتب. الكتابة بحدّ ذاتها فعل قوي، لأنه يمكن للكلمات أن تُحدث التغيير، تغيير النفس والعالم أجمع، ولهذا يجب أن نكتب. edaratymag@gmail.com

اقرأ ايضأ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 

 

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

مجلة إدارتي will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.