, , , , , ,
فبراير 16, 2020

مهنيًّا.. عِشْ حياتَيْن وأكثر

 

الخطأ أمر وارد، بل حتمي، والتعلم منه للمستقبل هو حياتك الأخرى؛ فإن لم يكن بوسعك أن تعيش حياتين في الدنيا؛ فبإمكانك أن تعيش حياتَيْن وأكثر في حياتك المهنية.


د. كمال المصري

قديماً قال أحد أهم الأدباء البريطانيين في القرن العشرين ديفيد هربرت لورانس : “ليت لنا حياتين : نرتكب في الأولى الأخطاء التي يبدو وكأنه لا مفر من ارتكابها، وفي الثانية نستفيد من هذه الأخطاء”.

هذا على مستوى الحياة؛ لكن على مستوى الحياة المهنية فنحن لنا حياتان وثلاث حيوات وأربع؛ إذ كل يوم تقضيه في مجال عملك هو بمثابة حياة جديدة، وكل منصب وظيفي تتقلده يعتبر حياة أخرى، وكل عمل جديد تذهب إليه يمكن أن يكون حياة تبدأ.

كل ذلك وفق شرط واحد : أن تتعلم من أخطائك.

وهنا يكمن السؤال : كيف نتعلم من أخطائنا؟ وهذا محور حديثنا هنا.

اقرأ أيضاً : 10 نصائح للتطوير الذاتي سوف تُغيّر حياتك

إن التعامل مع الأخطاء فن؛ بل هو “إتيكيت”، وكي نتعلَّم من أخطائنا علينا أن نعِي جيداً النقاط التالية :

النقطة الأولى : الجميع يخطئ.. هذه حقيقة

جميعاً نخطئ، هذه حقيقة علينا أن نعِيها جيداً ونتقبّلها؛ فلا أحد يمكن أن يقضي حياته دون ارتكاب أخطاء مهما امتلك من معلومات ومهارات وإمكانيات.

نعم قد نجد من يقول أنا لا أخطئ، والحقيقة أنه يخطئ ولكنه من النوع الذي لا يعترف بذلك.

الاعتراف بأننا نخطئ أول خطوات المسيرة الناجحة.

النقطة الثانية : ما المقصود بالخطأ

من أكثر النقاط التي يحدث فيها اللبس، وأحياناً يكون هذا اللبس متعمداً من المخطئ كي يغطي على خطئه، هي تحديد : ما المقصود بالخطأ؟

في التعامل مع الخطأ علينا أن نميز بين نوعين :

الخطأ الجيد : ويمكن أن نطلق عليه “الفشل الجيد”، وهو ما يحدث بعد أن نكون أخذنا بكل الأسباب وقمنا بكل المطلوب؛ ثم لم ننجح، أي أننا خططنا التخطيط السليم، وحضَّرنا الموارد اللازمة للنجاح، وعملنا جاهدين نحو النجاح؛ لكن أدت ظروف معينة لفشلنا.

ويُسمى هذا بالخطأ الجيد لأنه يمثل الفرصة الذهبية للتعلُّم والتطوُّر، ويفتح المجال لإعمال العقل بحثاً عن سبب الخلل وابتكار الطرق لعلاجه، وفي هذا كله مجال رحب لتطوير القدرات والخبرات من جهة، ولحدوث الابتكارات من جهة أخرى.

لذلك قال توماس إديسون بعد فشله حوالي ألف مرة قبل اختراعه المصباح : “أنا لم أفشل ألف مرة؛ بل اكتشفت ألف طريقة لا تؤدي إلى اختراع المصباح”.

إن الخطأ الجيد هو الخبرات التراكمية التي نحوزها عبر فشلنا في ما قمنا به بعد أن كنا أخذنا بكافة أسباب النجاح.   

اقرأ أيضاً : 10 أخطاء عليك تجنبها عند الحديث مع الآخرين

اقرأ أيضاً : كيف تتعلم فعل أيّ شيء حتى لو كنت لا تملك الموهبة الكافية؟

الخطأ السيء : أو “الفشل السيء”؛ وهذا له أشكال عدة : أن نقوم بعمل ما دون تخطيط أو تجهيز أو امتلاك الأدوات اللازمة بأنواعها، أو أن نكرر أخطاءنا السابقة نفسها ولا نتعلم منها، أو أن نخطئ في تقدير قدراتنا وإمكانياتنا سواء كان ذلك بسببنا أو بسبب مجموعة من المنافقين والمطبلين الذين يوهموننا بما ليس فينا، أو بسبب رفضنا الاعتراف بمسؤوليتنا عن الفشل ورمي ذلك على آخرين أو على أسباب أخرى، أو غير ذلك.

ولعل من أبرز مظاهر الخطأ السيء عندنا كعرب وكمسلمين استخدامنا الخاطئ، والمتعمد غالباً، لكلمات نحو “قدَّر الله وما شاء فعل” و”حصل خير” و”معليش” و”حظ” و”نصيب” لتبرير أخطاء تقصيرنا وإهمالنا؛ بينما هي ما وُجدت لهذا الحال، وإنما مكانها الطبيعي حين نقوم بكل ما علينا ونأخذ بالأسباب ونبذل الوسْع والطاقة ونستنفذ كل المطلوبات لنجاح العمل لكن هذا النجاح المنشود لا يحدث؛ عندها فقط نقول : “قدَّر الله وما شاء فعل” و”حظ” و”نصيب”، وليس غير ذلك بحال.    

النقطة الثالثة : لا يجب الخوف من ارتكاب الأخطاء

إن من أبرز أسباب الفشل هو الخوف من ارتكاب الأخطاء، وهذا ما يجعل الإنسان خائفاً جامداً لا يقدِّم أيّ شيء، ولا يتخذ أيّ قرار، ولا يكاد يقوم بأيّ عمل.

مما ورد عن المهاتما غاندي قوله : “غالباً ما يكون النجاح حليف هؤلاء الذين يعملون بجرأة، ونادراً ما يكون حليف أولئك المترددين الذين يتهيّبون المواقف ونتائجها”.

عش حياتك وقم بعملك بصورة طبيعية، وأَقْدِم واتخذ القرارات، ولا تقف، ولا تتوهم، ولا تخف، ولا تتردد، تحسباً من ارتكاب الأخطاء؛ فالنجاح حليف أولئك المُقْدِمين الذين يعملون بجرأة، وتيّقن أن ارتكاب الخطأ هو جزء من التعلُّم، وهذا التعلُّم هو الطريق لنجاح أكبر، وكي تنجح عليك أن تعمل دون الخوف من ارتكاب الأخطاء.

النقطة الرابعة : كن منفتحاً.. مرناً.. قابلاً للتغيير

لا شيء يمكن أن يتغير فيك ما دمت لا تمتلك الذهنية المنفتحة والنفسية المرنة؛ إذ تمتّعك بهاتين الصفتين يجعلك قابلاً للتغيير والتطور دون عوائق أو موانع أو عقبات.

ولا يخفى أنّ تراكم الخبرات لا يأتي من النجاحات فقط، وإنما يأتي كذلك من تراكم الاستفادة من الأخطاء، وهذه الاستفادة من الأخطاء لن تتأتى لأحد إلا إذا كان مستعدًّا لذلك بذهنيته المنفتحة ونفسيته المرنة، الأمر الذي يجعل الأخطاء درساً من دروس العمل مثله مثل أية خبرة يكتسبها، وبالتالي يغدو التطور نتيجة حتمية. 

النقطة الخامسة : اعترف بأخطائك.. واقبلها.. وحلِّلها.. واستفد منها

إنّ امتلاك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء وقبولها هو أول خطوات السير في الطريق الصحيح.

اعترف بأخطائك، ولُمْ نفسك عليها، ولكن لا تجعلها توقف حياتك أو تُشكك فيك وفي قدراتك.

قم بعد ذلك بتحليل سبب ارتكابك للخطأ وللأخطاء؛ إذ حان وقت التفكير في ما حدث بجدية ومنطقية واهتمام، ثم البدء بتحليله وفهم أسبابه، وبناء على ذلك تتم مراجعة آلية اتخاذ القرار، ومنهجية التخطيط، وأحوال البيئة المحيطة، وقدرات المنفذين، وطريقة التنفيذ؛ افعل كل ذلك، والأفضل أن تدوِّن الدروس المستفادة من ذلك كي تتعلم منها باستمرار، ولا تقع في الأخطاء نفسها مرة أخرى.

وإن وجدت خطأ أو أكثر تكرر منك أكثر من مرة؛ ابحث عن سبب ذلك، فغالباً مثل هذه الأخطاء لا يكون علاجها بتصحيح الخطأ فقط؛ وإنما يجب البحث عن جذر المشكلة وعلاجه للتمكن من حلها بشكل نهائي.

اقرأ أيضاً : 8 أسباب لماذا يجب عليك أن تقرأ كل يوم؟

النقطة السادسة : خطِّط لعملك القادم

استوعبتَ النقاط السابقة، وقمتَ من خلالها بما يجب أن تقوم به؟ حان الوقت للتعامل مع الأخطاء عبر التخطيط السليم للعمل القادم؛ حيث يكمن الذكاء والفهم وحسن التعلُّم في إتقان فن التعامل مع الخطأ بشكل صحيح من خلال إتقان أداء العمل القادم.

وهذه بعض الخطوات التي تساعدك على تجنب الأخطاء في العمل الذي أنت مُقْدِمٌ عليه :

– ضع كامل انتباهك وتركيزك في العمل الذي تقوم به.

– ادرس العمل من جميع جوانبه واستوعب غاياته وأهدافه والغرض منه.

– ضع الخطة المناسبة لتنفيذه والمتوافقة مع أهداف العمل من ناحية، والقدرات التي تمتلكها من ناحية ثانية، والبيئة المحيطة من ناحية ثالثة.

– دوِّن كل ذلك، وسجِّل المهام التي يجب أن تقوم بها، وقم بترتيبها بحسب الأولوية؛ فهذه الخطوة ستُفيدك في رؤية العمل بصورة شاملة، كما أنها ستساعد في تنظيم العمل والتأكد من عدم نسيان أية خطوة، وبالتالي عدم الوقوع في الأخطاء.

– خذ برأي الأكثر خبرة منك إن أمكن لك ذلك؛ فمع كل ما سبق تبقى احتمالية وجود أمور أو أخطاء لم تنتبه لها واردة، وبالتالي يكون وجود عين أخرى، وبالخصوص عين خبيرة، وسيلة لاكتشاف ما فاتك، ومن ثم تصحيح المسيرة قبل بدايتها.

– إن احتاج العمل لفريق عمل؛ اجمع فريقك وتأكد من قدراتهم وإمكانياتهم، ثم اشرح لهم العمل وأهدافه وخطته وخطوات عمله جيداً، وتأكد من استيعابهم له بصورة كاملة شاملة صحيحة.

– راجع العمل عدة مرات، وحاول باستمرار أن تعطي وقتاً لإعادة النظر في العمل بين فترة وأخرى، والتأكد من خُلوّه من أيّ أخطاء.

– مع سير العمل؛ حافظ على المتابعة واستكشاف ما قد يظهر من بوادر أخطاء لإصلاح الأمر أولاً بأول.

– مع انتهاء العمل قم بعملية التقييم، وأَتْبِعْها بالتقويم إن احتاج الأمر لذلك، وهكذا تكون استفدت من أخطائك، وامتلكت “إتيكيت” التعامل مع الأخطاء والتعلُم منها، الأمر الذي كانت نتيجته ومحصلته أنك نجحت في عملك. 

اقرأ أيضاً : 5 نصائح لاستخدام وقتك بحكمة

فائدة أخيرة : قد يكون الخطأ فرصة لاقتناص فرصة نجاح مبهر

ليس كل خطأ أمر سلبي؛ ففي أحيانٍ كثيرة يمكن تحويله لأمور إيجابية.

هل تعرف قصة ابتكار أشهر كعكة ليمون في العالم، والتي اسمها “أوبس! لقد أوقعت كعكة الليمون Oops! I dropped the lemon tart”؟

هذا اسم كعكة يقدمها مطعم “Osteria Francescana” في إيطاليا، والذي تم تصنيفه كثالث أفضل مطعم في العالم، ومن اسمها يمكن التنبؤ بكيفية وصول كبير الطهاة ماسيمو بوتورا لابتكارها.

كان كبير الطهاة قد أنهى تحضير كعكتَيْ ليمون لأحد العملاء، وتقدم مساعده تاكا لحملهما، لكنه أوقع أحد الطبقين على طاولة التحضير، وتبعثرت الكعكة والصلصة التي تزينها ما بين الطبق والطاولة؛ وفي حين وقف المساعد ينظر للكعكة المبعثرة متأثراً بخطئه ومستعدًّا للموت بسبب ما حدث، كان ماسيمو يتأمل الطبق مندهشاً من جماله! وعندها قام بتحضير الطبق السليم بطريقة تشبه الطبق المبعثر، وأطلق على الكعكة اسم (أوبس! لقد أوقعت كعكة الليمون) واستمر في استخدام طريقة “التبعثر” نفسها لتحضير هذا الطبق، وأصبح هذا الطبق أيقونة.

ومن هنا كان الخطأ عبارة عن لحظة إبداع أثمرت عن تجربة نجاح مبهر، وكما قال ماسيمو : “علينا أن نكون مستعدين لرؤية الأمور بطريقة لا يمكن للآخرين حتى تخيلها”.

وفي هذا الرابط يحكي ماسيمو قصة هذه الكعكة اضغط الرابط

الخطأ أمر وارد، بل حتمي، والتعلم منه للمستقبل هو حياتك الأخرى؛ فإن لم يكن بوسعك أن تعيش حياتين في الدنيا؛ فبإمكانك أن تعيش حياتَيْن وأكثر في حياتك المهنية.

 

مجلة إدارتي
نكتب ونشجع الآخرين على الكتابة، صفحات موقعنا ترحب بكل كاتب جريء، يتقدم خطوة للأمام ويكتب. الكتابة بحدّ ذاتها فعل قوي، لأنه يمكن للكلمات أن تُحدث التغيير، تغيير النفس والعالم أجمع، ولهذا يجب أن نكتب. edaratymag@gmail.com

اقرأ ايضأ

10 أخطاء عليك تجنبها عند الحديث مع الآخرين
مقالات | مايو 30, 2020

10 أخطاء عليك تجنبها عند الحديث مع الآخرين

    هناك مساحة كبيرة للحديث عن المواضيع المتفق عليها أو الجديد الذي نكتشف أغواره، حتى مع العائلة الواحدة يكون الإختلاف في شئون حياتية بسيطة،...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 

 

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

مجلة إدارتي will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.