, , , , , ,
يونيو 06, 2021

فن إدارة الأزمات في فكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم  

 

 

 

تحويل محنة غزوة حنين إلى منحة
استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرأب الصدع الذي كاد أن يعصف بالجيش والمجتمع الإسلامي إبان هذه الأزمة الخطيرة التي لا تقل عن الخطورة في حال انهزام المسلمين في هذه الغزوة المهمة.

طالب غلوم
طالب غلوم طالب

كاتب وباحث إماراتيّ

الموروث الديني الإسلامي ثري بالقيم والعبر والدروس المتنوعة، وفي مجال فن الإدارة وعلمها المتجدد نستنبط من هذا التراث الغني قدرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الإدارية الفائقة في تحويل محنة غزوة حنين إلى منحة بكل ما تحمله من معان وقيم ودروس مستفادة.

كانت أزمة توزيع غنائم حنين معنوية بالدرجة الأولى، وهي من الأزمات التي تـدور حـول محـور غيـر موضـوعي يـرتبط بذاتيـة الأشـخاص المحيطـين بالأزمـة كانحسار الثقـة أو المـصداقية، وظهور تصدعات في بناء الـولاء والانتمـاء.

 وهـذه الأزمـات جميعهـا تـدور حـول محور معنوي شخصي غير ملموس يتم التعامل معه من خلال إدراك مضمونه، فقد كانت محنة عاصفة كادت أن تعصف بالمجتمع والجيش في صدر الإسلام.

ظهرت بوادر انشقاق خاصة بين أقوى عناصر في الجيش، بعد أن ادّعى البعض عند توزيع الغنائم أنّ العدالة غائبة: “ما هذه قسمة أريد بها وجه الله تعالى”.

كان هذا الأمر غريباً وجديداً على الأنصار، ورغم أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قد وزّع خُمس الغنائم على المؤلّفة قلوبهم -وهم من دخلوا في الإسلام حديثاً.

كان النبي يطمح إلى أن يُمكّن قلوبهم من الدين الإسلامي، ويؤكد لهم أنّ الإسلام لم يُهينهم أو يذلهم، فقد أعطى عطايا عظيمة بعضها بلغ مائة من الإبل من غنائم حنين.

 وعلى إثر ذلك حزن الأنصار حزناً عظيماً وخافوا أن يتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرجع معهم إلى المدينة المنورة مرة ثانية، ما أثار الغضب في صفوفهم.

إدارة النبي (صلى الله عليه وسلم) للأزمة  

تميز الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالحكمة والتأني والهدوء وترتيب الأفكار، وأدرك أنّ الأنصار يتّسمون بجهادهم في سبيل الله وذلك بناء على تصرف الأنصار في بيعة العقبة حين قالوا “فما لنا إن وفّينا؟” قال: “الجنة”، فلم يعدهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بشيء من الدنيا، فعلى هذه الخلفية بدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقترب من الحل، فنادى الرسول -صلى الله عليه وسلم-على سعد بن عبادة وقال: “يا سعد.. ما هذه المقالة التي بلغتني؟

فقال: يا رسول الله إنّ هذا الحي من الأنصار وجدوا على أنفسهم ما صنعت.. أعطيت عطايا عظيمة في القوم ولم تُعط الأنصار شيئاً.. فقال: وأين أنت يا سعد؟ قال: إنما أنا إمرؤ من قومي يا رسول الله.. فقال: اجمع لي قومك في هذه الحظيرة.

وهنا تبرز فنون إدارة الأزمة عملياً وتطبيقياً لدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث سعى إلى اكتــشاف إشارات الإنذار المبكر من سعد بن عبادة، كما طلب عزل مجموعة الأنصار (أصحاب المشكلة) في مكان منفصل كتقنين لهم وحصار للأزمة من التفاقم والتنامي.

  فالشبهة التي أثارها شخص واحد لا ينبغي إثارتها أمام مجموع من الناس، والمشكلة التي تحدث مع شخص دون سواه لا تحلّ أمام أصدقائه وأقرانه ومن يحبّ، إضافة إلى السرعة الفائقة التي اتخذ بها الرسول الحكيم – صلى الله عليه وسلم – القرار في جمع الأنصار في موقع المعركة ولم ينتظر طويلاً لحلّ الأزمة والتأهب والاستعداد لها وتحديد وتحليل التهديدات والمخاطر الرئيسة ونقاط التحسين وصنع واتخاذ القرارات المناسبة دون إبطاء.

وبعد أن جمعهم الرسول الكريم قال: “هل فيكم من ليس منكم فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا.. فقال الرسول: ابن أخت القوم منهم” وذلك للتأكد بأنّ ليس هناك أحد آخر سوى أصحاب المشكلة.

 ثم بدأ الرسول في الحديث مع الأنصار لعرض المشكلة، وهنا نتوقف أمام عبقرية الرسول في عدم التغافل عن المشكلة والاعتماد على الزمن في معالجة الأزمة، وإنما أصّر على مصارحة أصحاب المشكلة بالأزمة الحالية إضافة إلى احتـوائه للخطـر والتقليـل مـن الآثـار الـسلبية.

الرسول -صلى الله عليه وسلم- عرض الحقائق وأظهرها في شفافية ووضوح مطلق لزيادة الإيجابيات، ويظهر هذا في حديثه إلى الأنصار قائلاً: يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم واجدة وجدتموها عليّ.. ثم قال: يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ ألم آتكم عالة فأغناكم الله بي؟ آلم آتكم أعداء فألف الله قلوبكم بي؟ “

وهنا تبرز عبقرية النبي الإداريّة والفكريّة حيث عدّد للأنصار النعم التي أنعم الله عليهم بها، بمعنى أنّ تلك العطايا أكثر بكثير من مجرد (مائة ناقة)، وهذا الأمر يتعلق بموهبة قيادة الرسول للأمور والتي لا يمكن أن تكتسب بالمعرفة، ثم يجمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تعامله معهم بين العقل والعاطفة واستخدم أسلوب التفاوض الإقناعي فقال:

 ألا تجيبوني أيها الأنصار.. فقالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، فلله ورسوله المن والفضل، وهنا بدأ الرسول في ذكر محاسن الأنصار حيث قال: يا معشر الأنصار لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدقتم أتيتنا مطروداً فآويناك، مخذولاً فنصرناك، في محاولة من الرسول بحصر محاسن الأفعال التي قام بها الأنصار، ثم بدأ الرسول يُعلي من قيمة الإسلام والإيمان التي يتميز بها الأنصار وقيمتهم لدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويحفّزهم ليؤكّد أنّ ما قام بتوزيعه على المؤلفة قلوبهم هو عدم ثقة فيهم، ثم قام بعقد مقارنة بين ما سوف يعود على الأنصار وعلى المؤلفة قلوبهم لاستمالة قلوبهم وإرضائهم فقال: “والله لولا الهجرة لكنت من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شِعباً لسلكت شِعب الأنصار”.

ومازال بالقوم حتى قال: ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله في رحالكم؟ فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً.. هكذا استطاع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرأب الصدع الذي كاد أن يعصف بالجيش والمجتمع الإسلامي إبان هذه الأزمة الخطيرة التي لا تقل عن الخطورة في حال انهزام المسلمين في هذه الغزوة المهمة.

ونستشف من هذه الأزمة أنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- استخدم تقنيات إدارية وفنية يتمحور جلّها فيما يلي:

الاستكشاف
حيث رصد بوادر الأزمة وتجلياتها وارتكز على الشفافية وتوضيح المعلومات عنها.

المبادأة/ المبادرة
حيث بادر دون تأخير إلى تقنين وتحديد المجموعة المسببة للأزمة من الأنصار حتى يجتمع معهم دون سواهم ولا يعطي للآخرين فرصة لتخريب خطته وآليته للقضاء على الأزمة.

استجلاب العاطفة / العامل النفسي
ذكر الإشادات والمواقف الإيجابية للأنصار كسابقة لهم.

التفاوض الاقناعي
حاصرهم بالفضل والمحاسن التي قاموا بها.

التمسك بقراره رغم مخاطره
تمسك الرسول بقراره بتوزيع الغنائم على المؤلفة قلوبهم دون تراجع منه كقائد إداري مُحنك ومستشرف وعارف بأبعاد قراره ونتائجه المتوقعة.

أما القيمة المضافة لتعامل النبي الكريم مع الأزمة فقد ظهرت فيما يلي:

1- خلق أساليب سريعة لاكتشاف بوادر الأزمة والتعامل معها فوراً دون تأخير.

2- مواجهة الأزمة دون تأجيل مع إيجاد الحل السريع لها.

3- التركيز على محاسن طرف أو أطراف الأزمة كأسلوب عاطفي لكسب الرأي والموافقة.

4- عدم تأثير الغزوة (الأزمة) على قرار القائد بأيّ طريقة من الطرق – وهذا ما علمنا إياه الرسول صلى الله عليه وسلم.

5- الأزمات لا تُدار أو تواجه بطريقة واحدة بل بطرق مبتكرة يعرفها القائد جيداً.

مجلة إدارتي
نكتب ونشجع الآخرين على الكتابة، صفحات موقعنا ترحب بكل كاتب جريء، يتقدم خطوة للأمام ويكتب. الكتابة بحدّ ذاتها فعل قوي، لأنه يمكن للكلمات أن تُحدث التغيير، تغيير النفس والعالم أجمع، ولهذا يجب أن نكتب. edaratymag@gmail.com

اقرأ ايضأ

One thought on “فن إدارة الأزمات في فكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم  ”

  1. عبدالله الشمار يقول عبدالله الشمار:

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد
    عدم تردد الرسول عليه الصلاة والسلام في اتخاذ القرار نابع من ثقته بالله والدعم الذي يتلقاه منه جل وعلى .. وهكذا هو القائد المرتبط بالله وبالقيم الاخلاقية والاسلامية السليمة سيكون مسدد ومدعوم من العلي القدير دون شك
    بورك جهودكم استاذ طالب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 

 

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

مجلة إدارتي will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.