هناك أهمية قصوى لتحلّي الموظف بالمرونة، ومحاولة تخفيف التوتر النفسي الذي قد يُصيبه، والتكيّف مع الضغوط النفسية التي قد يتعرض لها في بيئة العمل عند تعامله مع مشكلات العمل والحياة.

طالب غلوم
طالب غلوم طالب

كاتب إماراتي

يبدو أنّ الكثير منّا تعامل مع مدير سيئ السلوك والطباع والمعاملة، وكان ذلك سبباً في الشعور بالإحباط والحزن غالباً أو الإحساس بآلام الصداع والضغط النفسي والاكتئاب في معظم الأحيان.

وقد أشارت إحدى الدراسات الحديثة إلى أنّ الموظفين غير السعداء في أماكن العمل بسبب الإدارة السيئة، يمكن أن يُصابوا بالأمراض النفسية والجسدية المختلفة، وتدنّي الإنتاجية الوظيفية، ويكون الموظف منهم غير قادر على التركيز والإبداع بالنهاية، ويؤدي إلى تأخره في حضور الاجتماعات أو التفاعل الإيجابي معها.

وكشفت هذه الدراسة التي قامت بها جامعة أوهايو في الولايات المتحدة الأمريكية أنّ المديرين السيئين يؤثرون في صحة الموظف، وأنّ العمل مع مدير دائم الصراخ والاستفزاز يمكن أن يُسبّب تأثيراً صحياً ضاراً على الصحة النفسية والجسدية  للموظفين.

 كما أشارت الدراسة إلى أنّ ما يزيد عن (40%) من الموظفين المصابين بالاكتئاب المُزمن بسبب علاقتهم مع المدير السيئ، وكذلك المدير كثير الانتقاد والمُتصيّد للخطأ كغنيمة ثمينة له، لأنه يُعرّض الموظفين إلى القلق والتوتر بشكل مُضطرد إزاء العمل في أجواء غير مريحة نفسياً، ما يسهم في تدهور حالتهم الصحية لتتفاقم معها أمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم والسكري والسرطان.

وفي النهاية تُسبب تلك العلاقة المتدهورة ضغطاً على الأجهزة الطبية، من تكاليف الفحص والمعالجة والمراجعة والانقطاع عن العمل (الإجازات المرضية عموماً).

وبلغة أبسط : إنّ عاقبة أفعال المدير السيئ على موظفيه تتحملها الدولة، في دفع تكاليف علاج موظفيه الذين تأثروا بأعماله وأفعاله من الناحية الصحية والطبية، فالمدير السيئ لا يُعيق العمل فحسب وإنما يُعيق حياة الموظفين أيضاً، فتأثيره يتجاوز بيئة العمل بحيث يصبح تأثيره واضحاً في حياة الموظف، وهذا لا يمكن إنكاره أو التغاضي عنه لأنه يحتاج إلى دراسات مُتخصّصة، من المنظمات التي تعرف قيمة المال والتكلفة وتدار بنظام الحوكمة المؤسسية وتحكمها الشفافية والمصداقية.

المدير السيئ يبتكر أساليب جديدة ومتنوعة في ظلم الموظفين أو حرمانهم من حقوقهم، كما أنه يرى نفسه المعصوم الذي لا يخطئ أبداً

 سلوكيات المدير السيئ :  

تتنوع السلوكيات السيئة التي يتبعها كلّ مسئول، والتي تتسم بصفات مهنية سيئة، ومن ثمّ تؤثر سلباً على صحة الموظف، ومنها :
أنّ المدير السيئ يبتكر أساليب جديدة ومتنوعة في ظلم الموظفين أو حرمانهم من حقوقهم، كما أنه يرى نفسه المعصوم الذي لا يخطئ أبداً،
وقد يُعطي الوعود دون تنفيذها،
ويتوقع من الموظف أن يكون شبيها له في سلوكياته، وإلا سيكون فاشلاً لا محالة.  

إنه يتّسم دائماً بضعف شخصيته، وقد يكون مستبداً أو متعجرفاً وهو يعطي تعليماته، ويعتبرها في نفس الوقت أوامر نافذة حالاً، ينبغي على الموظف تنفيذها دون مناقشة أو حتى ملاحظة، وقد تجد نوعاً آخر من المديرين السيئين يتّسمون بإهمال أداء الموظفين، ويتعمدون تجاهلهم، ويُظهرون عدوانية مستمرة تجاههم، ويكونون مُتعصّبين لآرائهم الشخصية، ويعتبرونها دائماً هي الصواب، بل الأصوب في كلّ الأحوال.

 وهناك من المديرين من يتدخل في تفاصيل الحياة الشخصية للموظفين، ويثير الوشايات المُخطط لها في بيئة العمل بين الزملاء من خلال نقل الكلام بين الموظفين، أو يستدعي الموظفين في أيام العطلات، وقد لا يستمع لآراء الآخرين، في حين أنه يُغير رأيه بصفة مستمرة لأنه ضعيف الشخصية.

كلّ هذه السلوكيات السابقة وغيرها الكثير من قِبل المديرين السيئين، تهدر طاقة الموظفين وتُقلل من صحتهم العقلية، وتُعرقل مشاريعهم الحياتية ومنها الاجتماعية والأسرية، وتُدمّر مسيرتهم المهنية.  

إنّ الشخصيات المُضطربة نفسياً تُسبب أيضاً خسارة فادحة في المنظومة الإدارية، وتُعيق نجاح المُنظمة التي ينتمون إليها لأنها اكتظت بالمرضى النفسيين وضحايا الأمراض البدنية والجسمية.

وفي هذا السياق نجد أنّ المديرين السيئين يختلفون باختلاف سلوكياتهم تجاه موظفيهم، فالمدير المتعالي أو المتسلط يُوجب على الموظف عدم توجيه الانتقاد إليه، حين يتخذ قراراً يضرّ بمصلحة العمل، خاصة حال وجود زملاء العمل بينهما.

ويكون من الضروري الالتزام باختيار الألفاظ المناسبة حتى لا يتحسّس شعوره الرقيق، ويكون الرأي المطروح في صميم العمل، وكذلك ينبغي على الموظف أيضاً تجنّب ارتكاب الأخطاء قدر المستطاع أمامه.

كما يُمكن للموظف أيضاً دعم نجاح مديره ضعيف الشخصية، ما يساهم في التخفيف من حدّة طباعه التي يُخفي وراءها ضعف شخصيته المعروفة لدى جميع الموظفين.

أما المدير الذي يُبالغ في التدقيق والمتابعة بصورة مُزمنة، ويدفع الموظف دائماً إلى إنهاء المهام الوظيفية بطريقة سريعة وفورية أو تنفيذ أكثر من مهمة في نفس الوقت، فنؤكد أنّ هذه الطريقة تؤثر سلباً على أداء الموظف وتجعله يُتم المهام بصورة غير صحيحة، نتيجة الضغط الدائم الذي يُمارسه المدير عليه، ما يساهم في قتل الإبداع لدى الموظف وروح المبادرة لديه.

 ويمكن للموظف التعامل مع هذه النوعية من المديرين بأن يرسل كماً هائلاً من التفاصيل والبيانات الدقيقة الخاصة بالعمل إلى المدير بصورة دورية، حتى يقتنع تماماً أنّ الموظف مُتابع جيد لتفاصيل العمل الذي يريده.  

أخيراً، هناك أهمية قصوى لتحلّي الموظف بالمرونة، ومحاولة تخفيف التوتر النفسي الذي قد يُصيبه، والتكيّف مع الضغوط النفسية التي قد يتعرض لها في بيئة العمل عند تعامله مع مشكلات العمل والحياة، ويهيئ نفسه مهارياً من خلال الدخول في دورات متخصصة عن الذكاء الاجتماعي والنفسي، وقراءة كتب عن علم القيادة والشخصيات وغيرها حتى يكون مُدركاً وقادراً على التعامل مع بعض الشخصيات الصعبة من المديرين، وما يجلبونه له ولغيره من أمراض مختلفة تُصيب نفسه وجسده وتُسبّب له أوجاعاً لا تفارقه على المدى القصير أو المتوسط أو حتى الطويل، لأنّ الأمراض النفسية علاجها يطول ويبقى أثرها عميقاً.

مجلة إدارتي
نكتب ونشجع الآخرين على الكتابة، صفحات موقعنا ترحب بكل كاتب جريء، يتقدم خطوة للأمام ويكتب. الكتابة بحدّ ذاتها فعل قوي، لأنه يمكن للكلمات أن تُحدث التغيير، تغيير النفس والعالم أجمع، ولهذا يجب أن نكتب. edaratymag@gmail.com

اقرأ ايضأ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 

 

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

مجلة إدارتي will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.