المؤسسة حين تبتكر

المؤسسة حين تبتكر


د. كمال المصري
k.almasri@sadiem.com

حظي مفهوم جودة بيئة العمل “Quality of Working Life (QWL)” باهتمام المختصين بالموارد البشرية وتطوير الهيئات لما يزيد عن 50 عاماً.
وكان الغرض الأساسي من هذا الاهتمام هو التركيز العام على الموظف كإنسان، وليس فقط اعتبار العمل الذي يؤديه هو مناط الاهتمام.وقد انصب اهتمام المختصين بجودة بيئة العمل على سبعة عناصر رئيسية هي: توفير الأمن الوظيفي- التقدير والمكافأة- مواعيد العمل المرنة- زيادة مشاركة الموظفين في الخطط واستراتيجيات العمل- الشفافية بين الإدارة والموظفين- خطط التطور الوظيفي- الإثراء الوظيفي.
ومن وجهة نظري؛ فإن الابتكار لا يمكن إغفاله كأحد أهم مكونات جودة بيئة العمل، سواء كان الابتكار مؤسسيًّا أو فرديًّا؛ فالابتكار حقيقةً ما هو إلا التحسينات والتجويدات التي تقوم بها الهيئات بأنواعها سواء على منتجاتها أو إجراءاتها أو خدماتها، والتنمية والتطوير الذَّيْن تدرب عليهما مواردها البشرية.
ولتوضيح دور الابتكار في جودة بيئة العمل لنبدأ الحكاية من أولها.
ما الابتكار؟
عادة ما يحدث خلط بين مفهومي “الإبداع” و”الابتكار”، ويتم التعامل معهما على أن مدلولهما واحد، وما هما كذلك.
فالإبداع “Creativity” هو الإتيان بأفكار جديدة أو بحلول ناجعة للمشكلات؛ بينما الابتكار “Innovation” هو عملية تنفيذ هذه الأفكار والحلول، وبالتالي يمكن تمثيل العلاقة بين الإبداع والابتكار بهذه العلاقة الرياضية:
الإبتكار = الإبداع x التنفيذ
الابتكار المؤسسي
أورد بيتر كوك تعريفين للابتكار المؤسسي؛ الأول هو أنه “عملية يكون بموجبها الإبداع هو أحد المدخلات التي تؤدي إلى الابتكار والتنافس”، كما عرفه بأنه “الحرية والتشجيع واستشعار احتياجات العامة”.
وقبل الحديث عن استراتيجيات الابتكار المؤسسي ينبغي الإشارة إلى أن الابتكار المؤسسي يحتاج إلى نظام إداري متكامل؛ فالدعوة إلى الابتكار، وتشجيع المبتكرين، وعقد جلسات العصف الذهني، وتخصيص إدارة للابتكار، على أهمية ذلك كله، لا يكفي لنجاح الابتكار المؤسسي؛ إذ الأمر يحتاج إلى منظومة شاملة ومتكاملة، وأن تكون متناغمة مع الخطة الاستراتيجية للمؤسسة.
استراتيجيات الابتكار المؤسسي
لتحقق أية مؤسسة الابتكار المؤسسي ينبغي عليها تنفيذ الخطوات التالية:
1- إعادة توجيه المؤسسة تجاه الابتكار: اعتادت المؤسسات في انتهاج عملية التغيير أو إعادة الهيكلة أن يكون تغييرها في الهيكل التنظيمي أو في نظم المعلومات أو في أدوات الرقابة أو في نظم الحوافز، وأمثال ذلك، وفي استراتيجيات الابتكار المؤسسي جرت الدعوة إلى اعتبار الابتكار أحد فروع عملية التغيير، ويستلزم هذا التوجه التالي:
* مراجعات في الرؤى والأهداف الاستراتيجية للمؤسسة عبر توجيه الاهتمام بالابتكار على كافة المستويات المؤسسية، واستحداث سياسات واضحة تتبنى الابتكار كهدف استراتيجي.
* إعادة نظم التغيير في الاتجاهات المؤسسية الرئيسية الأربعة: إدارة المؤسسة، وتكنولوجيا المعلومات، والموارد البشرية، والعولمة المؤسسية.
2- تكوين نظام إدارة الابتكار:
إن نظام إدارة الابتكار هو منظومة متكاملة من السياسات والاستراتيجيات والعمليات والأدوات، تسمح للمديرين والعاملين في المؤسسة بالتعاون والعمل المشترك لإيجاد أفكار وحلول مبتكرة وتنفيذها، بغرض الاستجابة لتحديات بيئة العمل، وعلاج مشكلاته وأزماته، واغتنام الفرص التي تلوح لتطوير العمل أو تحقيق نجاحات للمؤسسة.
ويكون من مهام هذه الإدارة التالي:
* بناء التفكير الإيجابي كأساس للابتكار في المؤسسة.
* اعتماد الابتكار كثقافة في التخطيط ومتابعة الأعمال.
* اعتماد الخطط المبتكرة وتنفيذها عبر تطبيق أساليب التخطيط المبتكر والمتابعة الخلاقة.
* إيجاد التنسيق الخلاق ودعم جودة بيئة العمل (QWL) وقيمها المحورية.
3- تهيئة البيئة:
كي ينجح أي نظام عمل وأن يؤدي بفعالية، لا بد أن تكون أدواته متوفرة ومؤهلة، وتتمثل هذه الأدوات في أمرين: البنية المؤسسية- العامل المؤهَّل.
* البنية المؤسسية: ونعني بها كل ما يخص المؤسسة من بيئة عمل جيدة، وأجهزة وتكنولوجيا مناسبتين، وأدوات مساعدة، وخلاف ذلك.
إن مقومات البيئة الابتكارية تتداخل في بناء المؤسسات كمنهج فكري وعلمي؛ حيث تقوم المؤسسات بتبني معايير تغرس الابتكار وتؤصله، وتعمل على إيجاد النظم والأساليب التي تجعل العملية الابتكارية قيمة وظيفية تمثل اهتماماً مشتركاً لدى العاملين، وتوافر البيئة الجيدة والأجهزة والكنولوجيا المناسبتين والأدوات المساعدة خليقة بتحقيق بيئة مؤسسية ابتكارية.
* العامل المؤهَّل: إن تعليم العاملين وتدريبهم على اختلاف مستوياتهم بدءاً بالمديرين وانتهاء بأصغر العاملين رتبة وظيفية على أساليب العمل المؤسسي والمعرفي المبتكَر، أمر لا مناص منه إن أردنا تحقيق أية استراتيجيات أو خطط؛ ولأن الابتكار شأن غير تقليدي، فإن تعليم العاملين وتدريبهم يغدو أمراً حتميًّا ومسألة حياة أو فناء لكل مجهود يتم بذله في اتجاه الابتكار المؤسسي، وهذا التدريب يجب أن يكون تدريباً متكاملاً وجادًّا لإكساب العاملين المهارات اللازمة لإنجاح هذه المنظومة الابتكارية.
إن الحديث عن الابتكار المؤسسي طويل لا يمكن استيعابه في مقال؛ فكل نقطة مما سبق تحتاج شرحاً وتوضيحاً وتفصيلاً، وهناك نقاط لم يسمح المجال بالتطرق إليها؛ كوضع الخطط الاستراتيجية المبتكِرة، وأساليب تنمية الابتكار في المؤسسة، وأدوات اكتشاف المبتكرين من العاملين، وطرق تنمية الابتكار في العاملين وغرس هذه الثقافة فيهم، وتجنب موانع الابتكار ووسائل علاجها إن وجدت، وغير ذلك كثير.
يوماً قال الكاتب ورجل الأعمال ساث غودن: “أين تضع الخوف حين تقرِّر أن تبتكر؟ الخوف موجود، وما عليك إلا إيجاد مكان لإخفائه”.
وهذا ينطبق على الأفراد والمؤسسات؛ فلا غنى عن الابتكار لأي شخص أو كيان في ظل التحديات التي يمر بها العالم، والثورة المعلوماتية والتقنية المتفجرة، والمتغيرات العالمية وانعكاساتها، وهي الأمور التي جعلت الابتكار الفردي والمؤسسي حتمية، وليس مجرد مهمة تحسينية أو تكميلية.
كل ما على أية مؤسسة هو: إخفاء خوفها- وضع الخطط الاستراتيجية المبتكرة- إيجاد نظام إداري متكامل- استكشاف أصحاب ملَكة الابتكار وتنميتها- فتح باب الابتكار- تنفيذ الأفكار الخلاقة ومتابعتها.
هذا إن شاءت أن يكون لها موطئ قدم في عالم اليوم.. فالابتكار أو الاندثار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *