المنظمات الناجحة : هل هناك وصفة سحرية للنجاح؟

المنظمات الناجحة : هل هناك وصفة سحرية للنجاح؟

د. صفوت التل

في العقود الماضية وفي جميع أنحاء العالم كان ولا يزال البحث عن العناصر التي تشكل النجاح التنظيمي أمراً مستمراً، بحيث يستمر الباحثون والمختصون بدراسة وتحليل مفاهيم وعناصر تنظيمية مختلفة بهدف الوصول إلى نموذج يساعد في تحديد العوامل التي تحدد النجاح المستمر أو التميز في الأداء. وبالرغم من تعدد الرؤية والاختلاف في وجهات النظر في تحديد معايير النجاح أو التميز في الأداء باختلاف القطاع والصناعة إلا أنه من الممكن تحديد عوامل مشتركه للنجاح أو تميز الأداء بين المنظمات على اختلاف قطاعاتها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المنظمات الناجحة أو ذات الأداء المتميز هي تلك التي تحقق نتائج مالية وغير مالية أفضل من تلك التي تحققها نظيراتها خلال فترة محددة من الزمن، من خلال التركيز بطريقة منضبطة على أولويات المنظمة.

في المنظمات ذات الأداء المتميز، يحرص المديرون على اختلاف مستوياتهم الإدارية على وجود الثقة في علاقاتهم مع الموظفين من خلال إعطاء قيمة لولاء الموظفين،ومعاملةالمتميزين بشكل يعزز خاصية الاحترام، إضافة إلى خلق والحفاظ على العلاقات الفردية مع الموظفين، وتشجيع الإيمان والثقة في الآخرين، ومعاملة الناس بشكل متساو إلى  أقصى حد ممكن. إن المديرين في المنظمات ذات الأداء المتميز يتّسمُون بالنزاهة بحيث يشكلون قدوة للآخرين، بحيث يتميزون بالصدق، الإخلاص، الحماس، والالتزام . فهم يستندون إلى قاعدة قوية من المعايير المتسقة ذات المصداقية.

إذن، ما هي عوامل النجاح في المؤسسات ذات الأداء المتميز؟

إذا قمت بمراجعة الأدبيات الإدارية وقصص النجاح المختلفة في كثير من المنظمات على اختلاف قطاعاتها، ستجد العوامل التالية كعناصر رئيسة لتميز هذه المنظمات:

أولاً: نوعية وجودة ممارسات الإدارة

إن الممارسات الإدارية ذات الجوده العالية ترتبط ارتباطاً وثيقا بخصائص ومهارات إدارة المنظمة، بحيث تكون هذه الإدارة محل ثقة الموظفين، بحيث يتم النظر للإدارة كنموذج يُحتذى به، ويكون لدى هذه الإدارة القدرة على اتخاذ القرارات ضمن آليات ناجحة. كما أن الإدارة المتميزة تركز على تحقيق النتائج من خلال تفويض الموظفين وإعطاءهم الصلاحيات التي تجعلهم مسؤولون عن القرارات التي يتم اتخاذها مما يدعم تحفيز رأس المال البشري في المنظمة.

ثانياً : الانفتاح وتعزيز أساليب العمل الموجه

يقصد بذلك انفتاح المنظمة على بيئتها الداخلية – الموظفين – وكذلك بيئتها الخارجية – الموردين والعملاء – والنظر إليهم على أنهم شركاء. ففي المنظمات المتميزة يُخصص وقت طويل للحوار وتبادل المعرفة بين العناصر المختلفة في البيئتين الداخلية والخارجية وذلك بهدف تعظيم فرص التحسين المستمر. إن هذه الخاصية تتطلب تأسيس نظام فعّال للتواصل الإيجابي ضمن القنوات الصحيحة التي تُعزز مفاهيم التعاون والتعلم المستمر مع الحرص على ألا يكون لهذا التواصل أيّ أثر سلبي على الأشخاص وأدوارهم في المؤسسة.

ثالثاً: التوجه طويل الأجل

إن المنظمات المتميزة ترتكز في توجهاتها على الأجل الطويل لا القصير، وهذا يُعدّ أمراً في غاية الأهمية، إذ أن تحقيق النتائج السريعة على الأمد القصير لا يشترط أن يكون مرتبطاً بنجاح أو تميز المنظمة، إذ أنه في كثير من الحالات تكون النتائج المحققة لا تتميز باستقراريتها على المدى الطويل، وبهذا تكون وكأنها إنجازات طارئة، لذلك لابد للمنظمات أن تستهدف ديمومة واستقرار النتائج التي يتم تحقيقها – إيجابياً – على نحو ثابت ومستقر. إن استقرارية النتائج المتحققة على المدى الطويل يعتبر من أهم المؤشرات على تميز المنظمات. ويجدر التأكيد على أن التوجه طويل الأجل يجب أن يمارس على مختلف المستويات بحيث يُعنى بالحفاظ على علاقات متميزة طويلة الأجل مع عناصر البيئتين الداخلية والخارجية للمنظمة.

رابعاً : التجديد والتحسين المستمر

إن عملية التحسين المستمر مُتطلب رئيسي لكل منظمة تسعى إلى أن تكون متميزة، ففي كثير من المنظمات التي تتبنى أنظمة إدارة جودة نجد أنه يتم تحقيق متطلبات إدارة الجودة من خلال بُعد واحد فقط وهو التوثيق، مما يجعل هذه المنظمات تمتلك نظاماً لإدارة الجودة غير فعال – على الورق فقط -، دون أن ينعكس ذلك على جودة ما تقدمه هذه المنظمات من سلع أو خدمات. إن التحسين المستمر لا بد أن يكون جزءاً ديناميكياً من التخطيط الاستراتيجي الذي تقوم به المنظمة بحيث يكون له انعكاساته على المستويات الإدارية المختلفة وما يرتبط بها من عمليات، بحيث تصبح هذه العمليات مُحسّنة، مُتناسقة وأقل تعقيداً، الأمر الذي يُحقق للمنظمة ميزة تنافسية خاصة بها. ومما يجدر الإشارة إليه أن التحسين المستمر المشار إليه يجب أن يأخذ بعين الإعتبار الجوانب المالية وغير المالية للمنظمة.

خامساً : جودة الموظفين

إن المنظمات ذات الأداء المتميز تضم قوى عاملة متنوعة ومتكاملة بحيث تسعى هذه المنظمات إلى توظيف عناصر بشرية على قدر عالٍ من المرونة قادرة على اكتشاف ومواجهة الصعوبات والتحديات من ناحية، ومن ناحية أخرى تعمد المنظمات ذات الأداء المتميز إلى تعزيز القدرة على الابتكار في إيجاد الحلول لما يحدث من تحديات والتخطيط السليم لما يمكن أن يحدث في المستقبل. وبنفس الوقت فإن المنظمات المتميزة تعمد إلى العمل بشكل مستمر على  تطوير القوى العاملة من خلال تدريب الموظفين لجعلهم أكثر مرونة وتجاوباً مع التغيرات حتى يتمكنوا من تحقيق نتائج غير عادية، إضافة إلى تفويضهم وتحميلهم المسؤولية عن أدائهم وذلك لتشجيعهم على الإبداع في البحث عن سبل إنتاجية جديدة لتحقيق النتائج المرجوة .

ختاماً يمكن القول أنه يمكن النظر للعناصر السابقة على أنها مكونات رئيسية لنموذج المنظمات ذات الأداء العالي المتميز أو النجاح التنظيمي، إلا أن هذه العناصر لا بد أن تتواجد في المنظمات بشكل حقيقي وملموس ولا تكن فقط ممارسة على الأوراق والسياسات الموثقة وغير المفعلة بل لابد لكل الجهات ذات العلاقة كالموظفين، العملاء، الشركاء والموردين ….الخ أن يلمسوا أعراض هذا التميز أو النجاح حتى يكون فعلياً وحقيقياً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *