لا للإبتكار!

لا للإبتكار!

ياسر بهاء الدين - رئيس التحرير

ياسر بهاء الدين
خبير تميز مؤسسي للدوائر الحكومية
dr.yasser.bahaa@hotmail.com

ليس عنوان المقال بدعوة للتخلي عن الابتكار ولكنه تعبير عما يدور بخلد العديد ممن لديهم سلطة اتخاذ القرار وأيضاً ممن بيدهم تحفيز وتنفيذ كل ما له علاقة بالتغيير الذي هو العنصر الأساسي في تعزيز ونجاح عملية الابتكار حيث أن هؤلاء غالباً ما يرون فقط الجانب الخاص بما يتبع عملية التغيير من مجهود إضافي وتعلم أشياء جديدة والتخلي عن النظم التقليدية وترك الراحة والروتينية ولا يتخطى تفكيرهم إلى ما هو أبعد من ذلك مما سينعكس عليهم وعلى أسرهم ومجتمعهم من نتائج إيجابية نتيجة ما سبق من سلبيات (وفقاً لوجهة نظرهم).

وغالباً ما تزداد مخاطر غياب الابتكار في القطاع الحكومي – الذي يميل تقليديًا – إلى تجنب المخاطرة والتخوف من الابتكارات الجديدة. وهو أمر يُمكن تفسيره جزئيًا بمُبالغة المسؤولين في تجنب أخطاء قد تُعرضهم لسخط الجمهور وانتقادات وسائل الإعلام. وفي كثيرٍ من الأحيان يتفاقم تجنب المخاطرة ليتحول إلى بذل المؤسسات الحكومية جهودها فقط للحفاظ على الوضع الراهن دون تغيير. ويحمل غياب الابتكار مخاطر عدة منه ما أشار إليه Rich Foreman كما يلي:
أولًا: الإخفاق في تلبية احتياجات الجمهور
تتسم الحكومات بالبطء في تبني التكنولوجيا الجديدة بعكس المستهلكين الذين يُقبلون، في أغلب الأحيان، على استخدام التكنولوجيا الجديدة التي قد تَعِد بتبسيط حياتهم أو تقديم خدمات بتكلفة أقل. وتنشأ الفجوة بين الطرفين عند إخفاق مؤسسات القطاع العام في التكيّف مع احتياجات الجمهور. وعلى سبيل المثال، تُواصل بعض مؤسسات القطاع العام اعتمادها على مواقع إنترنت قديمة تحمل طراز وتكنولوجيا تسعينيات القرن العشرين، وتتجاهل حقيقة إقبال الجمهور على استخدام الإنترنت من خلال الأجهزة المحمولة والذكية.
ثانيًا: العجز عن نشر خدماتها وتوسيعها
من بين الأسباب التي تُفسر إقبال القطاع الخاص على الابتكار رغبته في تلبية احتياجات الأعداد الكبيرة من السكان بتكلفة أقل، ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك استخدام المصارف لأجهزة الصراف الآلي وتقديمها الخدمات المصرفية عبر المحمول في محاولة لاستيعاب قاعدة المستهلكين الكبيرة بتكلفة أقل. وفي المقابل تتطلب بعض المؤسسات الحكومية من الجمهور الانتظار لفترة طويلة لإتمام تعاملاتهم أو تحديد مواعيد المقابلات قبل عدة أسابيع. ويُرافق فشل الإدارات الحكومية في الابتكار عجزها عن توفير خدماتها للعدد المُتنامي من السكان.
ثالثًا: التعرض لأخطار الهجمات الإلكترونية
إذا لم تُواكب مؤسسات القطاع العام تطورات التكنولوجيا، ستقع فريسة سهلة للهجمات الإلكترونية والقراصنة الذين لا يفتقرون بأية حال إلى الإبداع والابتكار والتجديد.
رابعًا: ارتفاع تكاليف عمل الأنظمة القديمة
تستمر الكثير من مؤسسات القطاع العام في استخدام أنظمة تقنية قديمة يمتد عمرها لعقودٍ مضت، ولذلك تتكبد تكاليف مرتفعة لصيانتها؛ نظرًا لرفع المزودين نفقات الدعم الفني في ظل تراجع أعداد موظفيهم المهرة وتقاعد البعض منهم.
خامسًا: الإفلاس
أحيانًا ما تواجه الحكومات مصير بعض الشركات بالإفلاس، كما جرى في مدينتيّ ديترويت وستوك تاون ومقاطعة أورانج في الولايات المتحدة الأمريكية. وربما كان الابتكار سيكفل لهذه الحكومات وغيرها الكفاءة في إدارة عملياتها الداخلية، ويُقلل النفقات ويُجنبها الإفلاس.
وحيث أن كل جهة حكومية لديها النظم والسياسات والأطر الخاصة بها لدعم الابتكار أو البدء في تبني هذه الثقافة فإنه لابد من سن إطار دعم للقرارات تهدف إلى تحقيق أقصى فعالية من النظم الحالية وذلك لتحقيق هذه الفعالية على المدى القصير وذلك قبل وضع استراتيجية لتحسين النظم الحالية والتي ستكون محل اهتمام الجهات الحكومية على المدى الطويل دون أدنى شك.
وعلى صعيدٍ آخر، فإنه يوجد العديد من المجالات التي تحتاج إلى مزيد من النقاش مع المسؤولين لتعزيز ثقافة الابتكار حتى يكون لهم تأثير حقيقي داخل المؤسسات الحكومية. ومن هذه المجالات:
1. توضيح الأدوار والمسؤوليات التي سيتم تخويلها للأفراد لتشجيع الابتكار في مكان العمل.
2. تطوير مقاييس الأداء التي تحدد مدى نجاح ومكافأة الابتكار.
3. تطوير ممارسات الإدارة المالية في القطاع الحكومي.
4. تشجيع التركيز على العملاء، وإشراك المجتمع المحلي في جميع الخدمات المقدمة.
5. تجنب استمرار النمو في عدد من البرامج والسياسات التي يمكن إعادة توجيه الموارد المخصصة لها إلى برامج وسياسات أخرى ذات نتائج وتأثير أفضل وأهم.
6. تقبل هامش من المخاطر والفشل.
7. زيادة القدرة الإبداعية للموظفين عن طريق العديد من برامج التطوير والتدريب لخلق وتعزيز أهمية الابتكار على المستوى الفردي والمؤسسي لدى كافة الأفراد.
وهذه النقاط تمثل البداية لتغيير الفكر السائد والخاص بعدم قدرة القطاع الحكومي أو عدم جاهزيته لتبني الأفكار الإبداعية والابتكارية في فترة قصيرة وذات تأثير مباشر وسريع وتغيير فكر الأفراد إلى “مرحباً بالابتكار” بدلاً من “لا للابتكار”.

One comment on “لا للإبتكار!
  1. وائل says:

    للوهلة الأولى تظن ان المقال يدعو الى عدم الابداع ولكن بعد القراءة تجد ان المقال مفيد شكرا لك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *